أبي حيان التوحيدي

119

المقابسات

1 مقابسة [ في تطهير النفس وتجردها من الشوائب البدنية ] سمعت أبا سليمان المنطقي « 1 » يقول : بالاعتبار تظهر الأسرار ، وبتقديم الاختبار يصح الاختيار ، ومن ساء نظره لنفسه قل نصحه لغيره ؛ وكما تنظف الآنية من وسخ ما جاورها ولابسها ، ووضر ما خالطها ودنسها ، لتشرب فيها ، وتنظر إليها ، وتستصحبها وتحفظها ، ولتكون غنيا بها ، ولا تريدها إلا طاهرة نقية مجلوة ، ومتى لم تجدها كذلك عفتها وكرهتها ونفرت [ منها ] وطرحتها ، لأن طبيعتك لا تساعدك عليها ، ونفرتك لا تزول منها ، وإباؤك لا يفارقك من أجلها ، وقشعريرتك لا تذهب من شناعة منظرها ؛ وكذلك فاعلم أنك لا تصل إلى سعادة نفسك وكمال حقيقتك ، وتصفية ذاتك ، إلا بتنقيتها من درن بدنك ، وصفائها من كدر جملتك ، وصرفها عن جملة هواك ، وفطامها عن ارتضاع شهوتك ، وحسمها عن الضّراوة على سوء عادتك ، وردها عن سلوك الطريق إلى هلكتك وتلفك وثبورك واضمحلالك . فاسعد أيها الانسان بما تسمع وتحس وتعقل ، فقد أردت لحال نفيسة ، ودعيت إلى غاية شريفة ، وهيئت لدرجة رفيعة ، وحليّت بحلية رائعة ، وتوّجت بكلمة جامعة ، ونوديت من ناحية قريبة

--> ( 1 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 10